ابن كثير

54

البداية والنهاية

أبو الحسن علي بن سعاد الفارسي ( 1 ) تفقه ببغداد وأعاد بالنظامية وناب في تدريسها واستقل بتدريس المدرسة التي أنشأتها أم الخليفة وأزيد على نيابة القضاء عن أبي طالب البخاري فامتنع فألزم به فباشره قليلا ، ثم دخل يوما إلى مسجد فلبس على رأسه مئزر صوف ، وأمر الوكلاء والجلاوذة أن ينصرفوا عنه ، وأشهد على نفسه بعزلها عن نيابة القضاء ، واستمر على الإعادة والتدريس رحمه الله . وفي يوم الجمعة العشرين من ربيع الأول توفيت : الخاتون أم السلطان الملك المعظم عيسى بن العادل ، فدفنت بالقبة بالمدرسة المعظمية بسفح قاسيون ( 2 ) . الأمير مجير الدين طاشتكين المستنجدي أمير الحاج وزعيم بلاد خوزستان ، كان شيخا خيرا حسن السيرة كثير العبادة ، غاليا في التشيع ، توفي بتستر ثاني جمادى الآخرة وحمل تابوته إلى الكوفة فدفن بمشهد علي لوصيته بذلك ، هكذا ترجمه ابن الساعي في تاريخه ، وذكر أبو شامة في الذيل : أنه طاشتكين بن عبد الله المقتفوي أمير الحاج ، حج بالناس ستا وعشرين سنة ، كان يكون في الحجاز كأنه ملك ، وقد رماه الوزير ابن يونس بأنه يكاتب صلاح الدين فحبسه الخليفة ، ثم تبين له بطلان ما ذكر عنه فأطلقه وأعطاه خوزستان ثم أعاده إلى إمرة الحج ، وكانت الحلة الشيعية إقطاعه ، وكان شجاعا جوادا سمحا قليل الكلام ، يمضي عليه الأسبوع لا يتكلم فيه بكلمة ، وكان فيه حلم واحتمال ، استغاث به رجل على بعض نوابه فلم يرد عليه ، فقال له الرجل المستغيث : أحمار أنت ؟ فقال : لا . وفيه يقول ابن التعاويذي : وأمير على البلاد مولى * لا يجيب الشاكي بغير السكوت كلما زاد رفعة حطنا الله * بتفيله إلى البهموت وقد سرق فراشه حياجبة له فأرادوا أن يستقروه عليها ، وكان قد رآه الأمير طاشتكين حين أخذها فقال : لا تعاقبوا أحدا ، قد أخذها من لا يردها ، ورآه حين أخذها من لا ينم عليه ، وقد كان بلغ من العمر تسعين سنة ، واتفق أنه استأجر أرضا مدة ثلاثمائة سنة للوقف ، فقال فيه بعض

--> ( 1 ) في تاريخ ابن الأثير : علي بن علي بن سعادة الفارقي . ( 2 ) في نسخ البداية المطبوعة : قايسون .